'المسؤولية الطبية' كلمة حق قد يراد بها باطل

عاصم منصور

عاصم منصور [ 2017\03\29 ]

هل يضمن أحد للطبيب المدان في قضية خطأ طبي أن لا يلاحق عشائريا ومجتمعيا ليحاسب مرتين على نفس الخطأ؟ ألسنا اليوم وبعد عقود من اقرار قوانين للسير

لم يحظ قانون بالاهتمام والجدل كما حظي بهما قانون "المسؤولية الطبية " الذي ما يزال يراوح مكانه منذ عدة سنوات بين مد وجزر وبين متحمس ومعارض ومحايد.
ليس مفاجئا أن يحظى قانون يتعلق بإحدى أكثر المهن تماسا مع حياة الناس بهذا الاهتمام، ولا أن يكون موضع جدل واختلاف، فهو كسائر القوانين يحكمه تضارب المصالح بين الأطراف المعنية به، فالقطاع الصحي يرى فيه خطرا سيفتح عليه أبوابا مغلقة لا يحبذ فتحها، وشركات التأمين والقانونيون يرون فيه فرصة سانحة لتوسيع مناطق نفوذهم، والمواطنون الغاضبون والمعبأون ضد القطاع الصحي يرونها فرصة سانحة للحد من الأخطاء الطبية، ولا بأس من الحصول على بعض المكاسب المادية.
لسنا أول من ابتدع قانونا للمساءلة الطبية، فقد سبقتنا إليه عشرات الدول التي أقرت قوانين تناسب بيئتها وتتماشى مع اعرافها القانونية والاجتماعية. لكن المزعج في الجدل الدائر عندنا حول هذا القانون أن الكثيرين يحاولون تحميله ما لا يحتمل، فالبعض يسوقه على أنه البلسم الشافي الذي سيقضي على الأخطاء الطبية ويجعل مؤسساتنا الطبية اكثر امنا، وآخرون يرون انه سيكبح جماح القطاع الطبي المنفلت.
لا توجد دراسة حقيقية تؤيد أن تطبيق قانون للمساءلة الطبية قد أدى الى الحد من الأخطاء الطبية في الدول التي طبقته، بل إن البعض يرى أن سلامة المرضى قد تأثرت سلبا نتيجة تطبيق هذا القانون من خلال ما اصطلح على تسميته بـ"الطب الدفاعي"، وهو أن يلجأ الأطباء الى اجراء فحوصات تشخيصية واجراءات تداخلية غير مبررة علميا لحماية أنفسهم من المساءلة القانونية في المستقبل، بما لهذه التداخلات من أعراض جانبية تؤثر سلبا على صحة وحياة المريض وتؤدي حتما إلى رفع كلفة الرعاية الصحية، فقد ادى تطبيق قوانين المساءلة الطبية الى تضخم الفاتورة العلاجية في الكثير من الدول، وفي بلدنا ستكون الحكومة هي المتضرر الأكبر جراء ذلك، حيث إنها تمتلك أكبر شبكة صحية من خلال وزارة الصحة والخدمات الطبية وبعض المستشفيات التحويلية الأخرى.
تشير الدراسات الغربية إلى أن أقل من 2 % من المرضى الذين تعرضوا لشبهة اخطاء طبية قد لجأوا الى المحاكم، وأن نسبة قليلة من هؤلاء كسبوا القضايا وحصلوا على تعويض، وحتى هؤلاء فقد كان نصيبهم من التعويض أقل من النصف بينما ذهب الجزء الاكبر من مبلغ التعويض للمحامين وعلى شكل رسوم ومصاريف للمحكمة.
فحتى يتسنى ادراج قضية ما تحت بند الخطأ الطبي الذي يستدعي التعويض لا بد من إثبات حصول الضرر الناتج عن الإهمال وهذا يشكل فقط 27 %، ما اصطلح على تسميته بالأخطاء الطبية، أما الجزء الأكبر المتبقي فيندرج تحت أعراض جانبية ومضاعفات متوقعة ولا يمكن تلافيها، أو تلك التي يمكن تلافيها لكن لم يكن هنالك إهمال من قبل الطبيب.
من حق الشخص الذي تضرر نتيجة اهمال طبي أن يطالب بالتعويض لكننا قبل ان نقر قانونا مهما كالذي نحن بصدده هنا لا بد من تهيئة الظروف المناسبة له، فهل من المعقول أن نحاسب طبيبا يعمل في القطاع العام ويجد نفسه مجبرا على علاج أكثر من مئة مريض في اليوم الواحد على سهو هنا او سقطة هناك، وهل مستشفياتنا واقسامها المختلفة مهيأة لاستقبال مزيد من المرضى في الوقت الذي تمتد قوائم الانتظار لدى بعضها الى ما يقارب السنة!
وهل يضمن أحد للطبيب المدان في قضية خطأ طبي أن لا يلاحق عشائريا ومجتمعيا ليحاسب مرتين على نفس الخطأ؟ ألسنا اليوم وبعد عقود من اقرار قوانين للسير، ما يزال السائق رهينة في أيدي المتضرر وأهله وتحت رحمتهم رغم وجود التأمين؟ وهل قطاعنا القانوني مهيأ للتعامل مع هذا النوع من القضايا؟
ختاما، هل من حل وسط يساهم في تحسين سلامة المرضى وحمايتهم دون تعريض القطاع الصحي للمخاطر؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في مقالة قادمة بإذن الله.
*المدير العام لمركز الحسين للسرطان

عاصم منصور

0
0
Advertisement