حي الطفايلة.. والقصة الضائعة

صبري اربيحات

صبري اربيحات [ 2014\10\12 ]

اتمنى ان لا يصبح حي الطفايلة فصلا جديدا في مواجهة لان ذلك لا يمكن ان يقبله عقل وسنخسر بعدها جملة الامن والامان

الساعة الآن الثالثة صباحا وقد عدت للتو من مستشفى الاستقلال الذي يرقد على اسرة الشفاء فيه محمد احمد الربيحات الشاب الذي يقف على اعتاب الثلاثينات ويعمل في دائرة تامين القروض ..
.وفي محافظة الزرقاء المستشفى العسكري يقيم علي حمد الربيحات والذي يعمل في سلك الشرطة السياحية.كلاهما اصيب اليوم في مصادمات الدرك مع شباب الحي الغاضب جراء مباشرة امانة العاصمة بازالة نوافذ رزقهم التي اطعمت اولادهم خبزا وتمرا وعنبا . فقد اتخذت الامانة بقيادة امينها قرار بنقل البسطات التي اشغلت كراجات العبدلي سابقا الى منطقة راس العين.
لقد اصيب محمد بمقذوف ناري في خده الايمن تفجر داخل فكيه ونفذ من خدة الايسر فعمل بوصايا المسيح الذي طلب لاتباعه ان يتسامحوا ويسمحوا ويديرون الخد الايسر لمن يلطمهم على الخد الايمن.
اما علي فقد جرى نقله من البشير الى ماركا واستقر به الامر في مستشفى الزرقاء العسكري ليعالج من اصابته بطلقة في الكتف....الملفت ان الشابين لا علاقة لهما بالمظاهرات وليسوا اصحاب بسطات وغير متضررين بصورة مباشرة من قرار الامانة بنقل اصحاب البسطات الى الموقع المقترح في منطقة راس العين.
كنت قد قرأت في المواقع الالكترونية عن اعتصامات واحتجاجات اصحاب البسطات ومحاولة الامانة انفاذ القانون بالقوة والتسريبات التي تداولها الاعلام عن البسطات واصحابها وسلوكهم وقد رايت ان الامانة على حق في ان تنظم شؤون ساكنيها بالطريقة التي تراها مناسبة على ان لا تقطع سبل عيش الناس او تهدر كرامتهم....وان تنفذ القانون بعدالة وصرامة وشفافية.
كل ذلك يقع في دائرة المعقول الى ان التقيت العشرات من الشباب مساء السبت في ساحة مستشفى الاستقلال والغاضبين لما وصفوه باعتداء عليهم وقلة احترام لكرامتهم
وانسانيتهم واطلاق النار العشوائي عليهم مما اصاب عدد منهم ودللوا على ذلك بالشخصين الذين اصيبا وهم من غير المعتصمين ومن العاملين في المؤسسات الريادية القائمة على خدمة القانون كشرطي بصحبة زوجته وموظف محترم في مؤسسة مالية معروف عنه النضباط والالتزام واحترام القانون.
وصلت الى المستشفى عند الحادية عشرة مساء وبعد ابلاغي من اشقاء المصاب بتردد المستشفى بقبول شقيقهما و بعد ان حادثت وزير التنمية السياسية بصفته معني بحقوق الانسان والمحافظ بصفته الحاكم الاداري للمنطقة التي تدور فيها الاحداث واستجابا من جهةمخاطبة ادارة المستشفى لاجراء الاسعاف اللازم للمصاب ومعالجته.
في حديثي مع الشباب الغاضب سمعت الكثير عن ما لم تنقله الصحافة عن واقع القضية وسبب الخلاف ...فالشباب لا يعارضون الانتقال الى الموقع المقتر ح في راس العين لكن ترتيبات الامانة ناقصة ولا تلبي احتياجات العاملين وقد يتولد عن العملية مشاكل عديدة سببها تداعيات قرار الانتقال...ومنها:ـ
1) ان عدد البسطات الموجودة في العبدلي يقارب 1500 بسطة في حين ان المواقع المخصصة الجديدة 500 موقع وعند طلب اصحاب البسطات لمساحة كافية قيل لهم دبروا حالكوا.
2)ان الامانة اصدرت تصاريح جديدة لمجموعات اخرى اضافة الى الف وخمسماية الموجودة مما يهيء المجال الى حالات مشاجرات في الموقع الجديد
3) مساحة البسطات الحالية اكبر واوسع من المساحات المقترحة.
4) يقول الشباب ردا على التسريبات الاعلامية التي اصدرتها الجهات الرقابية بان الباعة لبسطات العبدلي هم الاكثر انضباطا ولم يسجل على اي منهم اي مشاجرة وان الحديث عن الممنوعات والاسلحة كلام غير صحيح وان الزبائن الذين يرتادوا اماكن بسطاتهم من اسر الطبقة المتوسطة وياتون في ساعات النهار والليل باجواء فيها من الاحترام والسلامة ما يبعث على الطمائنينة لهم وللجميع.
5) يقول الشباب ان قرار الازالة للبسطات اتخذ ليشمل الوحدات والعبدلى وقد نفذ في العبدلي وجرى تجاهل الوحدات.
6) في الجهود المبذولة من قبل الاجهزة الامنية لتشويه سيرتهم يتم الصاق تهمة التسول وتقييدها كاسبقية لكل من يتم القبض عليه او تحرير مخالفة بحقه.
7) في حالة الاعتراض على الممارسات التي تتخذ ضدهم يلصق بهم تهمة مقاومة السلطات وتسجل كاسبقيات لهم.
لا استطيع ان اصف حجم الغضب والاحساس بالظلم لدى الشباب الذي تجمع في ساحة المستشفى والذي صادف ان يكون اسمه الاستقلال.
اظن ان الجميع معني بالمحافظة على الامن...لكن الحلول لمشاكل جذورها اقتصادية في ظروف اصعب لا يتم بارسال كتائب درك بل بحلول تنمويةتلبي حاجات التنظيم البلدي وتحافظ على حقوق الناس في العمل في بيئة اكثر تنظيم ...الاردنيون يشعرون باليتم فلا احد يهتم بهم....ويتعاطف مع معاناتهم...الاسعار ترتفع مثل القدر الذي لا تملك رده ...والضرائب تزداد...وفرص تلقي العلاج في المؤسسات الصحية تتضائل مع ضغط الطلب عليها والاعمال غير متوفرة...والمواطنون ينتظرون حصصهم في المياه التي قد لا تاتي في بعض الاسابيع لزيادة الطلب وارتفاع اعداد متلقي الخدمات.
بعض المسؤولين يرون ان التلويح بالعصا يعكس هيبة الدولة هذا صحيح اذا كان التلويح بها لكل الناس السارقين والمارقين كبارا وصغارا عرب وعجم وبربر...اما ان تبدو مشكلة الاردن الاولى شباب يعمل ليكسب لقمة عيش فهذا اقرب الى الاستقواء منه للهيبة.
انا لا اعرف كل التفاصيل لكنني اعرض وجهة نظر الشباب كما يعرضونها وكلي امل ان ياخذ اصحاب العلاقة كل القضايا بعين الاعتبار...لا احب ان ارى احدا يستقوي على الدوله لا سفيرا عربيا ولا مواطن طفيليا او كرديا ولا عسكريا متقاعدا ولا عامل بسطة.
فالدولة دولتنا والبلد بلدنا...والطفايلة ليسوا في خصومة مع النظام ولا مع السلطات فقد خدموها قبل ان تكون خدمتها غنيمة . وقبلوا بعجرها وبجرها جاءوا الى عمان في الثلاثينات ولم يطمعوا بغير بضعة امتار اشتروها من الكسواني والكسيح بعضها وصلها الماء وبعضها يرتوي من براميل الجيران ...كانوا عمالا وعسكر وحماة للنظام يوم كان الكثيرون يحاولون الاطاحة به. اراضي الحي اقل بكثير من ملكية شخص واحد من الذين قدموا بعدهم بكثير او تملكوا تلال عليها قصور مساحتها ضعفي مساحة الحي الذي ياوي عشرات الالاف من القابضين على جمر الوطن.
ازعجني ان البعض هتف لداعش ...السؤال المطروح على المسؤولين كيف نخفف على ابنائنا في هذه الظروف وليس التضييق عليهم. مئات الملايين من الدولارات خصصت لتنمية المحافظات...وخطة تنمية وسط العاصمة يجب ان تطال السكان وليس الارصفة والساحات فقط...اعضاء مجلس الامانة لمنطقتي المدينة واليرموك من ابناء الحي اي ان الحي في وسط المدينة لكنه لا يزال يعاني تنظيميا واقتصاديا واجتماعيا وهو مرشح لمزيد من المشاكل ....
اختارت ادارات المدينة السابقة والحالية ان تسترضي شخص اواثنين في تعينات واعانات وتسهيلات وامتيازات معتقدين انهم ينمون الحي وهذا لم يحصل على الارض,,,
المطلوب نظرة شمولية وخطة تنموية لتطويره فليس كل ابناء الحي بلطجية كما يحلو للبعض ان يصفهم ..في الحي 30 الف نسمة كانوا ولا يزالو ا نماذج في الحب والانتماء والعطاء بلا منة اوثمن...واذا كان البعض قد تعودوا على ان يكون لكل شبر نذر فهم صنيعة المؤسسات التي عبثت بنسيج المجتمع وخلقت ظاهرة التنمر التي نرفضها جميعا.
احدى القصص التي يرويها الشباب ان الاجهزة وفي خضم اعتقالاتها القت القبض على احد الشباب الذي يعمل سائق سرفيس ويعمل مخبرا صرخ في وجوههم انا معكوا انا معكوا ...اظن ان ذلك خارج عن السياق الذي اعتاد عليه الاردن فكلنا مع اجهزتنا ومن غير المقبول ان يتم تصنيف مجتمعنا الى شرطة وحرامية.....
وكما يقول محمد وهيب اطال الله في عمره " انتا ابني..وانا ببني ....تنعمر لابنك وابني"
" والوطن بده سواعد...... بده ارجال الي تبني"
عقلية المخبرين وزرعهم بين الناس كانت مهمة عندما يكون الجيش والدولة تواجه عدوا ...اما عندما يتعلق الامر بالامن فامن الوطن مسؤولية الجميع....
اتمنى ان لا يصبح حي الطفايلة فصلا جديدا في مواجهة لان ذلك لا يمكن ان يقبله عقل وسنخسر بعدها جملة الامن والامان التي نتغنى فيها.
نحتاج الى حكمة العقول لا الى دخان البنادق.

صبري اربيحات

0
0
Advertisement