كلام خطير من رجل دولة

كلام خطير من رجل دولة

فهد الخيطان

فهد الخيطان [ 2014\12\30 ]

الصيغة التي يجري بها تمرير قانون الضريبة من طرف الحكومة قبل انقضاء السنة الحالية، تنطوي على مستوى مفزع من المهانة والإذلال، ويكرس الانطباع السائد بأن الأردن محكوم لصندوق النقد الدولي.


بدعوى "تغليب المصلحة الوطنية العليا في الحفاظ على سمعة وصدقية المملكة، بتنفيذ التزاماتها نحو مؤسسات التمويل الدولية والمانحة"، خضع مجلس الأعيان لضغوط الحكومة، وقرر إقرار مشروع قانون الضريبة كما جاء من مجلس النواب، رغم المعارضة الواسعة التي يلقاها في مختلف الأوساط.
لم يخف الدكتور رجائي المعشر، رئيس اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس الأعيان، شعور المرارة وهو يعلن، بعد اجتماع قصير للجنة، موافقتها على مشروع القانون، تمهيدا لإقراره من قبل المجلس اليوم.
عدد الدكتور المعشر مثالب القانون، وعرض تحفظات الفعاليات الاقتصادية والنقابية عليه، والآثار المترتبة على كلفة معيشة المواطن بعد تطبيقه. وصب جام غضبه على الحكومة التي لا تمنح اللجنة الوقت الكافي لدراسة القوانين، داعيا إياها إلى "التوقف عن وضع السلطة التشريعية أمام هذا الخيار الصعب بين الحفاظ على صورة الأردن وإقرار قوانين بدون دراسة كافية ونقاش ضروري".
ولم يتردد المعشر في التعبير عن ضيق صدر الأعيان بنهج الحكومة، بالقول إن أسلوبها بالتعهد بصدور قوانين في مواعيد محددة، لا تملك صلاحية تحديدها، يضع علامة استفهام حول فاعلية السلطة التشريعية، ويشكك في مصداقية مبدأ الفصل بين السلطات والعملية الديمقراطية والتشريعية، وبرامج الإصلاح السياسي برمتها.
إنه كلام مهم وخطير من رجل دولة، لا يشك أحد في وطنيته وولائه، وحرصه على مصالح الدولة والشعب.
لكن في النهاية، ما حصل أن السلطتين التنفيذية والتشريعية وضعتا الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فوق إرادة مجلس الأمة، وعلى حساب مصلحة الاقتصاد الوطني والمواطنين. لقد قالها الدكتور المعشر بكل وضوح وشجاعة، ليخلي ساحة الأعيان من المسؤولية عن إقرار قانون لا يحظى بأدنى قدر من التوافق الوطني.
الحكومة من طرفها لا تشعر بالحرج من هذا السلوك. فقد نقلت وكالة الأنباء الأردنية عن وزير المالية د. أمية طوقان، قوله إن التزام الحكومة بتعهداتها أمام المؤسسات الدولية، يحافظ على سمعة المملكة وصدقيتها. ليس مهما، إذن، صدقيتها وسمعتها عند المواطن الأردني والمستثمرين في مختلف القطاعات. بهذه الفجاجة يتحدث الوزير. ومن أجل ماذا نقدم هذه التضحية؟ الوزير يبشرنا مع بداية عام جديد، أن ذلك كله يهدف إلى الحصول على مزيد من القروض لتخفيض الفجوة التمويلية للموازنة. أي إن هذا القانون "الإصلاحي" حسب وصف الحكومة، سيساهم في زيادة ديون الأردن التي بلغت مستويات غير مسبوقة من قبل.
والأعيان لم يجدوا ما يقولونه لتبرير انصياعهم لضغوط الحكومة، سوى التوصية للحكومة بوضع قانون معدل لقانون الضريبة، على أن يعرض على مجلس الأمة في الدورة العادية المقبلة. معنى هذا أنه سيكون لدينا كل سنة تقريبا قانون جديد للضريبة.
الاقتصاديون ورجال الأعمال يعلمون أكثر منا النتائج الكارثية لعدم استقرار التشريعات على بيئة الأعمال والنشاط الاستثماري في المملكة. لقد عانى الاقتصاد الوطني من هكذا حال في السابق، لكننا لم نتعلم الدروس كما هو واضح.
إن الصيغة التي يجري بها تمرير قانون الضريبة من طرف الحكومة قبل انقضاء السنة الحالية، تنطوي على مستوى مفزع من المهانة والإذلال، ويكرس الانطباع السائد بأن الأردن محكوم لصندوق النقد الدولي، وخاضع لإرادته وإملاءاته، خلافا لما تدعيه الحكومة.
ماذا جنينا في نهاية الأمر؟ قانون ضريبة لا يحوز على الرضا العام، والأسوأ من ذلك خسارتنا لصدقية وسمعة المؤسسة التشريعية من أجل أرضاء صندوق النقد الدولي، وطمع الحكومة بمزيد من القروض.
الغد

0
0
Advertisement