السياسات الحكومية والأداء الإقتصادي

محمد أبو حمور

محمد أبو حمور [ 2016\03\04 ]

ما صرح به ممثل صندوق النقد الدوليّ مؤخرًا يبين بوضوح أنه الحكومة التي تدّعي بأنهت أنقذت البلد أو الاقتصاد في ظل الأوضاع الذي وصفها بأنها بحاجة إلى المزيد من الإصلاح والعمليات الجراحية

تعتمد مؤسسات التصنيف الدوليّ على عدة معايير في تصنيف الدول، يقع على رأسها عجز الموازنة والمديونية بالأرقام المطلقة وكنسبة لحجم الاقتصاد مقيمًا بالناتج المحليّ الإجماليّ. وتعتبر هذه المؤسسات المديونية وفقًا للنظريات الإقتصادية ضرائب مؤجلة يجب فرضها وتحصيلها لتتمكن الدولة من الوفاء بسداد الدّين لاحقًا. وهذا يؤثر سلبًا بصورة كبيرة على حجم الاستثمار، أي بحال ارتفع مؤشر المديونية.
وترتفع المديونية في أي بلد بسبب زيادة العجز الماليّ للقطاع العام والذي يعود مرده إلى تجاوز الإنفاق العام لقيمة الإيرادات العامة وهذا يتطلب اتخاذ إجراءات لتقليل العجز. وينعكس العجز المالي مباشرة على المديونية التي يتم بواسطتها تمويل العجز، وبذلك فإن المديونية هي مرآة العجز. ويعبر العجز بصورة أو بأخرى عن عجز الإدارة المالية الحكومية للملفات الإقتصادية وخاصة بجانب النفقات والإيرادات.
ويتنازع تخفيض عجز الموازنة في الحكومة نظريتان أساسياتان أحدهما تركز على جانب النفقات باتباع سياسات تقشفية وخاصة في جانب النفقات الجارية حيث تعتبر هذه النظرية أن الإنفاق الجاري ذا تأثير ضعيف على الإقتصاد. أما النظريّة الثانية فهي تلك التي تعطي الأولوية لجانب الإيرادات العامة وتتبع سياسة فرض مزيد من الضرائب بهدف تحصيل مزيد من الأموال العامة لتقليل العجز الماليّ للحكومة، وتقوم بعض الحكومات بالمزج بين هاتين النظريتين لتحقيق الأهداف العامة المرسومة.
وينتقد البعض الأسلوب الذي يرتكز على زيادة الضرائب بأنه ذا أثر سلبي على الإقتصاد وخاصة إذا كانت معدلات الضرائب مرتفعة أصلاً، حيث تشير النظريات الإقتصادية إن زيادة الضرائب بَعْد مرحلة معينة يحفز التهريب والتهرب ويؤدي إلى تباطئ النشاط الإقتصادي، هذا فضلاً عن أنه يؤدي أيضًا على المدى المتوسط والبعيد إلى تراجع الإيرادات، ويعتقد البعض أيضًا أن زيادة معدلات الضرائب وفرض مزيد من الضرائب يعني تحويل جانب من الأموال من القطاع الخاص إلى القطاع العام، مما يعني تحويل هذا المال من القطاع الخاص القادر على الاستثمار والإنفاق بصورة أفضل وأكفأ إلى القطاع العام الذي يتميز بتدني الإنتاجية وعدم كفاءة الإنفاق والترهل وهذا يدفع بدوره مره أخرى إلى تسريع حالة التباطؤ الإقتصادي.
والآن وبَعْد هذه العجالة في الإطار النظري للموضوع، تستطيع القول أن الأردنّ قد طبق خلال السنوات الخمس الماضية كلتا النظرتيين ومزج بينهما فماذا كانت النتائج؟ وأيهما تعتبر مناسبة أكثر لوضع الأردنّ الإقتصادي.
ففي عام 2010 تم تخفيض معدلات الضرائب وإلغاء (11) قانون ضريبيّ وتنزيل رسوم نقل الملكيّة إلى النصف وأعطاء مزيد من الحوافز للقطاع الخاص ووضع خطة ومشروعات حكومية محددة قابلة لقياس مستوى الأداء فيها، لأن الاعتقاد في ذلك الوقت كان بأن تخفيض الضرائب يحرك عجلة الإقتصاد ويتحسن النمو الإقتصادي وبالتالي تزداد حصيلة الضرائب لاحقًا. وبالمقابل كان التركيز على تخفيض النفقات العامة بصورة واضحة والمقصود بالنفقات الجارية مَعَ زيادة النفقات الرأسمالية والتي تسهم في النمو والتنمية الإقتصادية.
وكانت النتـــــائج خــــلال عــــام 2010، أنه تم تخفيض عجــــز الموازنة بمقدار نصف مليار دينار (اي ثلث العجـــز المـــالـــي للموازنة خلال عام واحد) وتحسن معظم المؤشرات الإقتصادية المتعلقة بالنشاط الإقتصادي. كما وتم خلال نفس العام إصدار سندات اليوروبوند لأول مره بتاريخ الأردنّ بقيمة (750) مليون دولار وبدون كفالة الحكومة الأمريكية وبسعر فائدة ثابت بلغ (875‚3%).
وفي الجهة المقابلة، تم اتبــاع النظـــرية الأولى بشكل رئيســي خلال السنوات الأخيرة والتي ترتكز على جانب الضرائب بفرض مزيد منها ورفع معدلات الحالية بهدف تخفيض العجز وتحرير الأسعار. وكانت المؤشرات الإقتصادية واضحة للجميع فيما يتعلق بالعجز والمديونية والبطالة والاستثمار الحقيقي. فقد تضاعف عجز الموازنة العامة لعام 2015 لوحده عما كان مقدرًا له، وتراجعت الإيرادات الفعلية عن المقدرة في القانون نفسه، وتراجع النمو الإقتصادي لمستوى أدى إلى تراجع مستويات المعيشة للمواطنين وتضاعفت المديونية وارتفعت معدلات البطالة وتراجعت الصادرات وتراجع الاستثمار الحقيقي وبعض هذه المؤشرات وصل إلى مستويات غير مسبوقة.
بقي أن نقول أن المتتبع للسياسات والأرقام يستطيع أن يعلق وأن يرى أي النظريتين أصلح لواقعنا وضمن ظروفنا المحيطة خاصة أنه وبناء على توجهات جلالة الملك المعظم تم إعداد خطة عشرية بدأ تطبيقها العام الماضي (2015) ونتمنى أن نرى تقريرًا يبين مدى الإنحرافات في مؤشرات الخطة في عامها الأول ومدى تحقيقها للأهداف المرسومة وهل نحن وبَعْد عام واحد فقط بحاجة إلى مراجعتها كليًا أو جزئيًا وكيف ستكون ملزمة للحكومات المستقبلية في ضوء الأداء الحقيقي للخطة في عامها الأول.
وأخيرًا فإن المواطن هو الذي يستطيع أن يحكم بأن وضعه تحسن أم تراجع بسبب الأوضاع الإقليميّة والسياسات الحكومية، ولعل ما صرح به ممثل صندوق النقد الدوليّ مؤخرًا يبين بوضوح أنه لم تكن أي من الحكومات دقيقة حين أدعى بعضها بأنه أنقذ البلد أو الاقتصاد في ظل الأوضاع الذي وصفها بأنها بحاجة إلى المزيد من الإصلاح والعمليات الجراحية.
بقي أن نقول أن الحكومة أعطيت الفترة الكافية لوضع الخطط وتنفيذها ولم تطل علينا لغاية الآن بتقييم لسياساتها الإقتصادية ولعل قطاع الاتصالات وغيره من القطاعات وما أل إليه الوضع وتراجع أرباحه وعائدات الحكومة منه بسبب الضرائب وغيرها وتراجع الحكومة عن قراراتها بَعْد مرور فترات قصيرة أو متوسطة على تطبيقها خير دليل على أن الإصلاح الإقتصادي يسير بالاتجاه الخاطئ.
وقد تجنبنا إيراد أرقام وتفصيلات كثيرة حتى لا يقال الرقم غير صحيح أو مبالغ فيه وبالتالي يتحول التركيز من الفكرة والنهج إلى الرقم والمدلول. ولا يعني ذلك أننا نؤيد نهجًا على آخر ولكن الواقع يتحدث عن نفسه والمواطن يعرف الحقيقة ويشعر بالمراره.

محمد أبو حمور

0
0
Advertisement